الشيخ داود الأنطاكي
133
النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان و تعديل الأمزجة
الثالث : وقع التصريح منهم بأن أجناس القوى ثلاثة . والجنس في علم الميزان هو المقول على كثيرين مختلفين بالحقائق ، وقد اتضح هذا المعنى في الطبيعية وسيأتي في النفسية ، ولم يبينوا في هذه شيئاً فإن لم يكن تحتها شيء امتنع اطلاق الجنس عليها ، وقد أطلقوه هذا خلف . أو كان فلا بد من بيانه ولم يبينوه . وأنا أقول : انه يجب النظر فيما تفعله وفيما يحتاج إليه من التشخصات فيثبت تحتها من الأنواع بحسب ذلك . وقد عرفت أن الغذاء الذي هو معروض الطبيعة يحتاج إلى ما ذكر من مَسّك وهضم ونمو وتوليد ، وهذه القوة معروضها الهواء ، ولا شك في احتياجنا إلى استنشاقه من الخارج الكائن من الفضاء المحيط بنا ، فوجب ثبوت الجاذبة له ضرورة . ثم إذا دخل فلا بد من امساكه ليتم تدبيره على الوجه المستنشق لأجله ، فوجب ثبوت الماسكة ، ولما كان بعد تدبيره وتبليغه الأرواح غايتها يحترق بشدة الحرارة ، وكان بقاؤه على الحالة المذكورة ضرراً بالتركيب وجب دفعه ، وذلك لا يتم إلّا بدافعة فكان الواجب القطع بوجود هذه الثلاثة . ثم ننظر فيما عداها فنقول : لا شبهة في أن الهواء لا يكون عنه مني ولا منه غذاء فانتفى أن يكون من هذه مولدة ومصورة وغاذية قطعاً ، فيبقى الكلام في نامية وهاضمة . والذي يقتضيه النظر عندي انتفاؤهما ؛ لجواز أن يكون الهواء غنياً بلطفه عن الهضم ودخوله في الأقطار الضاربة من فعل الجاذبة . ويمكن أن يقال : الأمر محتاج إلى تصفيته عن الشوائب بفعل يشابه الهضم في الغذاء وادخاله في الأقطار بضرب من النمو . وحاصل الأمر : انا لم نسبق إلى كلام في هذا ، والذي سنح فيه ما سمعت ، والله سبحانه وتعالى بحقائق الأمور أعلم . وثالثها : جنس القوى النفسية وتحته نوعان : % الأول : نوع الإدراك وله عشر قوى . الخمسة الظاهرة ، وهي السمع والبصر والشم والذوق واللمس ، وقد مر في التشريح ما فيها . والباطنة ، وهي أيضاً